العلامة المجلسي

268

بحار الأنوار

الشيطان اللعين ، فمن أسعرته نار الغضب ، فقد قويت فيه قرابة الشيطان ، حيث قال : " خلقتني من نار وخلقته من طين " ( 1 ) فمن شأن الطين السكون والوقار ، وشأن النار التلظي والاستعار ، والحركة والاضطراب والإصطهار ، ومنه قوله تعالى : " يصهر به ما في بطونهم والجلود " ( 2 ) ومن نتائج الغضب الحقد والحسد ، وبهما هلك من هلك ، وفسد من فسد . ثم قال : اعلم أن الله تعالى لما خلق الانسان معرضا للفساد والموتان ، بأسباب في داخل بدنه ، وأسباب خارجة منه ، أنعم عليه بما يحميه الفساد ، ويدفع عنه الهلاك إلى أجل معلوم ، سماه في كتابه . أما السبب الداخل فإنه ركبه من الرطوبة ، والحرارة ، وجعل بين الرطوبة والحرارة عداوة ومضادة ، فلا تزال الحرارة تحلل الرطوبة ، وتجففها وتبخرها حتى يتفشى أجزاؤها بخارا يتصاعد منها ، فلو لم يتصل بالرطوبة مدد من الغذاء يجبر ما انحل وتبخر من أجزائها لفسد الحيوان ، فخلق الله الغذاء الموافق لبدن الحيوان ، وخلق للحيوان شهوة تبعثه على تناول الغذاء كالموكل به في جبر ما انكسر وسد ما انثلم ، ليكون حافظا له من الهلاك ، بهذه الأسباب . وأما الأسباب الخارجة التي يتعرض لها الانسان فكالسيف والسنان ، وسائر المهلكات التي يقصد بها ، فافتقر إلى قوة وحمية تثور من باطنه ، فيدفع المهلكات عنه فخلق الله الغضب من النار ، وغرزه في الانسان ، وعجنه بطينته ، فمهما قصد في غرض من أغراضه ، ومقصود من مقاصده ، اشتعلت نار الغضب ، وثارت ثورانا يغلى به دم القلب ، وينتشر في العروق ، ويرتفع إلى أعالي البدن كما ترتفع النار وكما يرتفع الماء الذي يغلى في القدر . ولذلك ينصب إلى الوجه فيحمر الوجه والعين ، والبشرة بصفائها تحكي لون ما وراءها من حمرة الدم ، كما تحكي الزجاجة لون ما فيها ، وإنما ينبسط الدم إذا غضب على من دونه ، واستشعر القدرة عليه ، فان صدر الغضب على من هو فوقه

--> ( 1 ) الأعراف : 12 ص 76 . ( 2 ) الحج : 20 .